محمد متولي الشعراوي

1341

تفسير الشعراوى

من اللّه بأن ينفق على غير القادر ، فلا بد أن يقدر في نفسه أن قدرته هي عرض من أعراض الحياة ، والقادر الآن من الأغيار ، لذلك فهو عرضة لأن يصير غدا من العاجزين ، ويقول القادر لنفسه : « عندما أصبح عاجزا سوف أجد من يعطيني » . أليس ذلك هو التأمين الحق ؟ إنه تأمين المؤمن . إن المؤمن يعطى عند قدرته ، وذلك حتى يجنبه اللّه مشقة السؤال إن جاءت الأغيار ، لأن الأغيار إن جاءت سوف يجد من يعطيه . إننا يجب أن نلحظ في الحكم ، لا ساعة أن تطالب أنت بأداء مطلوب الحكم ، ولكن ساعة أن يؤدى الغير إليك مطلوب الحكم . فالذي يطلب منه أن ينفق ، عليه أن يقدر أنه قد يصبح عاجزا ، ولنا أن نسأله : لو كنت عاجزا ألم تكن تحب أن يعطيك الناس دون منّ أو أذى ؟ إن هذا هو التأمين الحق ، لأنّ التأمين في يد اللّه ، وما دامت الأغيار عرضة لأن يصير القادر عاجزا ويصير العاجز قادرا ، فساعة ينفق المنفق يجب عليه أن يميت أنه أنفق فلا يتذكر وجه من أنفق عليه ، ولا يخبر أحدا بما أنفق . عد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الرجل الذي أنفق حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه من السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله فقال : ( سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة اللّه ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في اللّه فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف اللّه رب العالمين ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) « 1 » . وبعد ذلك على المؤمن المنق أن يقدر ساعة عطائه أنه ادّخر ليأخذ ، إما أن يأخذ إن طرأت له الأغيار في الدنيا ، وإما أن يأخذ من يد اللّه في الآخرة أضعافا مضاعفة . إذن ، فالمنفق هو الذي يؤمّن لغير القادر حركته في الحياة ضمانا لنفسه حين لا يقدر ؛ أو استثمارا مضاعفا عند اللّه ، وهؤلاء المنفقون الذين يسعون العاجزين بفضل ما لديهم ، يظهرون حكمة اللّه في الوجود ، لأن اللّه ما دام قد خلقنا ، وفينا

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد .